محمد جمال الدين القاسمي

273

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

النار . فيستفاد من هذا التقييد أن التوبة تمحو ذنب الكفر . فيكون ذلك القرين الذي هو القتل أولى بقبولها . وقد قال العلامة الزمخشريّ في ( الكشاف ) : إن هذه الآية فيها من التهديد والإيعاد والإبراق والإرعاد أمر عظيم وخطب غليظ . قال : ومن ثم روي عن ابن عباس ما روي ، من أن توبة قاتل المؤمن عمدا غير مقبولة . وعن سفيان : كان أهل العلم إذا سئلوا قالوا : لا توبة له . وذلك محمول منهم على الاقتداء بسنة اللّه في التغليظ والتشديد : وإلّا فكل ذنب ممحوّ بالتوبة . وناهيك بمحو الشرك دليلا . ثم ذكر حديث : لزوال الدنيا أهون على اللّه من قتل رجل مسلم ، وهو عند النسائيّ « 1 » من حديث بريدة ، وعند ابن ماجة « 2 » من حديث البراء . وعند النسائيّ « 3 » أيضا من حديث ابن عمرو . أخرجه أيضا الترمذيّ « 4 » انتهى . كلام الشوكانيّ . وقال الإمام ابن القيّم في ( الجواب الكافي ) : لما كان الظلم والعدوان منافيين للعدل الذي قامت به السماوات والأرض ، وأرسل اللّه سبحانه رسله عليهم الصلاة والسلام وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط - كان ( أي الظلم ) من أكبر الكبائر عند اللّه ، وكانت درجته في العظمة بحسب مفسدته في نفسه : وكان قتل الإنسان المؤمن من أقبح الظلم وأشده . ثم قال : ولما كانت مفسدة القتل هذه المفسدة - قال اللّه تعالى : مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً [ المائدة : 32 ] . ثم قال : وفي صحيح البخاريّ « 5 » عن سمرة بن جندب قال : أول ما ينتن من الإنسان بطنه . فمن استطاع منكم أن لا يأكل إلا طيبا فليفعل . ومن استطاع أن لا يحول بينه وبن الجنة ملء كف من دم أهرقه فليفعل . وفي جامع الترمذيّ « 6 » عن نافع

--> ( 1 ، 3 ) أخرجه النسائي في : تحريم الدم ، 2 - باب تعظيم الدم . ( 2 ) أخرجه ابن ماجة في : الديات ، 1 - باب التغليظ في قتل المسلم ، حديث 2619 . ( 4 ) أخرجه الترمذيّ في : الديات ، 7 - باب ما جاء في تشديد قتل المؤمن . ( 5 ) أخرجه البخاريّ في : الأحكام ، 9 - باب من شاق شق الله عليه ، حديث 2439 . ( 6 ) أخرجه الترمذيّ في : البر والصلة ، 85 - باب ما جاء في تعظيم المؤمن ، ونصه : عن نافع عن ابن عمر قال : صعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المنبر فنادى بصوت رفيع ، فقال : « يا معشر من قد أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه ! لا تؤذوا المسلمين ولا تعيّروهم ولا تتبعوا عوراتهم : فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته . ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله .